عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في - كورة نيوز نقدم لكم اليوم د. وائل كامل يكتب: «من الجامعات الحكومية إلى الأهلية: هل نضحي بالقيم من أجل المال» - كورة نيوز
يرى بعض المسؤولين أن حل مشكلة التعليم العالي يكمن في النقل الحرفي للنموذج الاستثماري في الجامعات، ورفع الدولة يدها عن التعليم بانتقال دورها من مقدم للخدمة التعليمية إلى مراقب ومنظم فقط. وهذا يتضمن إحلال الجامعات الأهلية محل الحكومية وزيادة التوسع في إنشاء جامعات أهلية جديدة، حتى لو وصل عددها إلى أرقام كبيرة تحت شعار براق، وهو مساواة معدلات الالتحاق بالتعليم العالي مع النسب العالمية.
ويرى البعض أن التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية يساهم في زيادة عدد الوافدين إلى البلاد وجذب عملة صعبة، بل إنهم صدقوا هذه الكذبة واعتبروها إنجازًا يتفاخرون به. يتباهون بوجود حوالي 100 ألف وافد ملتحق بجامعاتنا، ويعتقدون أنه يبرهن على مكانة جامعاتنا في النظام التعليمي العالمي. لكنهم تناسوا حقيقة أن عدد اللاجئين في مصر قد تجاوز عشرة ملايين فرد، مما يعني أن نسبة الوافدين هي في الحقيقة أقل من واحد بالمئة من إجمالي عدد اللاجئين في البلاد. هذه النسبة تعتبر طبيعية ولا تشكل فارقًا كبيرًا.
وبمجرد عودة هؤلاء الوافدين إلى أوطانهم، سينكشف الغطاء عن الادعاء بأن الجامعات الأهلية هي عامل جذب رئيسي للوافدين وللعملة الصعبة أو أن التعليم فيها قد أصبح ركيزة قوية في الاقتصاد.
لكن النتيجة ستكون تحويل التعليم إلى سلعة تُباع وتُشترى، بدلًا من أن يكون خدمة لتنمية المجتمع ونهضته وتطويره. كما سيتم مساواة أصحاب المجاميع العالية المجتهدين بأصحاب الأرصدة البنكية الذين أبناءهم حاصلون على مجاميع ضعيفة لا تؤهلهم للالتحاق بمعهد لمدة سنتين في الماضي. ستفتح لهم أبواب الجامعات على مصراعيها من خلال عروض في مجاميع الثانوية العامة، كما حدث عندما تم قبول تخصص الهندسة بمجموع ستينات، وطب بمجموع سبعينات، أو عبر مقترح السنة التأسيسية التي لن تحتاج إلى مجموع عالٍ. كما ستستمر محاولات تحسين الثانوية بمقابل مادي، مثل اقتراح البكالوريا الجديد، أو من خلال عدم السيطرة على الغش في امتحانات الثانوية لزيادة عدد الحاصلين على مجاميع عالية، مما يدفعهم للبحث عن جامعة، حتى لو كانت بمصروفات عالية تُرهق الأسر بالديون والقروض التي قد تصل إلى آلاف الجنيهات للحصول على شهادة التخرج. وهكذا، لن يصبح التعليم للمستحقين، بل لمن يدفع.
في المقابل، ستستمر الجامعات الحكومية في معاناتها من مشاكل عديدة بلا حلول، مثل تقليص موازناتها وتجميد تعييناتها واستقطاع نسبة من مواردها وضعف رواتبها. ومع تقديم مغريات لجذب الكفاءات الأكاديمية للعمل برواتب مضاعفة في الجامعات الأهلية الجديدة، ستفرغ الجامعات الحكومية من كفاءاتها وتتعرض للتدهور التدريجي. وفي هذه الحالة، سيظهر سبب منطقي لإنهاء دورها والتخلص مما يعتبرونه عبئًا بسبب دعم التعليم ومجانيته، كما حدث مع مصانع القطاع العام قبل خصخصتها وبيعها.
المسؤولون يقتدون بتجارب الدول الصناعية الكبرى، دون أن يأخذوا في اعتبارهم ما فعلته هذه الدول قبل أن تصبح متقدمة. ماذا فعلت تلك الدول؟ وبماذا اهتمت؟ وعلى أي نوع من التعليم توسعت وركزت؟!
من المفترض أن نركز على التوسع في مدارس التعليم الفني ذات المستوى الراقي وتعديل مناهج الثانوية العامة لتصبح شهادة منتهية تسمح بالالتحاق بسوق العمل، وتلبية احتياجات المجتمع، مما يساعد في تقليص أعداد المقبولين في التعليم الجامعي. كما يجب وضع نسبة بين عدد خريجي الجامعات واحتياجات سوق العمل بما يتناسب مع متطلبات المجتمع، بهدف القضاء على البطالة، بدلًا من التوسع العشوائي الذي سيؤدي في النهاية إلى أن يصبح غالبية الشعب خريجين جامعيين، في الوقت الذي نضطر فيه لاستيراد عمالة فنية من الخارج.
إن التعليم مرتبط ارتباطًا وثيقًا باحتياجات المجتمعات ومتطلباتها وأسواق عملها ومشاكلها. ما يصلح في دولة معينة قد لا يصلح في أخرى. علاوة على ذلك، فإن مجتمعات الدول الغربية لم تضع خطة واحدة واستمرت عليها طوال مراحل نموها كما يتم لدينا الآن. نحن نسير على نفس الاتجاه، ونفس الفكر، ونفس الخطوات. فلكل مرحلة من مراحل تطور الدولة يجب أن يكون لها تخطيط بناء على احتياجاتها الخاصة. وإذا فشل هدف أو خطة معينة، يجب إلغاؤها والتفكير في حلول بديلة بدلًا من الانتظار على أمل تحقيق سراب. وقد تم تجربة إنشاء أكثر من ١٢ جامعة أهلية سابقًا، فهل قررنا التوسع بإضافة ١٢ جامعة أخرى جديدة بناءً على نجاح فكرة إنشاء ال ١٢ السابقة ؟
0 تعليق